أحمد مطلوب

218

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 1 » . وذكر السكاكي هذه الآية شاهدا أيضا وقال عن الايهام : « هو أن يكون للفظ استعمالان قريب وبعيد فيذكر لايهام القريب في الحال إلى أن يظهر أنّ المراد به البعيد » « 2 » كقول الشاعر : حملناهم طرا على الدّهم بعد ما * خلعنا عليهم بالطعان ملابسا أراد بالحمل على الدهم : تقييد العدى فأوهم إركابهم الدهم . ومنه قوله تعالى : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى « 3 » . وذكر الحلبي والنويري أنّ الايهام « يقال له التورية والتخييل ، وهو أن تذكر ألفاظا « لها معان قريبة وبعيدة فإذا سمعها الانسان سبق إلى فهمه القريب ، ومراد المتكلم البعيد » « 4 » . ومثاله قول عمر بن أبي ربيعة : أيّها المنكح الثريا سهيلا * عمرك اللّه كيف يلتقيان هي شامية إذا ما استقلّت * وسهيل إذا استقلّ يماني فذكر الثريا وسهيلا ليوهم أنّه يريد النجمين ويقول : كيف يجتمعان ، والثريا من منازل القمر الشامية ، وسهيل من النجوم اليمانية . ومراده الثريا التي كان يتغزل بها لما زوجت بسهيل . وقالا عن قوله تعالى : وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ « 5 » إنّه من التخييل وهو « تصوير حقيقة الشيء للتعظيم » « 6 » . وعقد الزركشي بابا للتورية وقال : « وتسمى الايهام والتخييل والمغالطة والتوجيه » « 7 » وعرّفها بمثل تعريف الايهام ، وفرّق بينها وبين الاستخدام ، وذلك انها استعمال المعنيين في اللفظ واهمال الآخر ، والاستخدام استعمالهما معا بقرينتين ، أي أنّ المشترك إن استعمل في مفهومين معا فهو الاستخدام وإن أريد أحدهما مع لمح الآخر باطنا فهو التورية . وذهب الحموي إلى ذلك وقال : « والتورية أولى في التسمية لقربها من مطابقة المسمى لأنها مصدر ورّيت الخبر تورية إذا سترته وأظهرت غيره كأن المتكلم يجعله وراءه بحيث لا يظهر » « 8 » . وسمى السيوطي هذا الفن إيهاما وأشار إلى أنّه يدعى التورية أيضا « 9 » ، وفضّل المدني اسم التورية فقال : « التورية أقرب اسم سمّي به هذا النوع ولمطابقته المسمّى لأنّه مصدر ورّيت الحديث : إذا أخفيته وأظهرت غيره . قال أبو عبيدة : لا أراه إلا مأخوذا من وراء الانسان ، فإذا قال : « وريته » فكأنه جعله وراءه بحيث لا يظهر . ويسمى الايهام والتوجيه والتخييل » « 10 » . ولكن الأفضل أن يقال عن الآيات القرآنية إنّها تخييل لأنّها ليست تورية ولا ايهاما بالمعنى المتأخر ، وقد ألمح الزمخشري إلى مثل ذلك فقال عن قوله تعالى : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ « 11 » « لما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الانسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تقديره عظمه حق تعظيمه قيل : وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وقرئ

--> ( 1 ) الزمر 67 . ( 2 ) مفتاح العلوم ص 201 . ( 3 ) طه 5 . ( 4 ) حسن التوسل ص 249 ، نهاية الإرب ج 7 ص 131 . ( 5 ) الزمر 67 . ( 6 ) حسن التوسل ص 250 ، نهاية الإرب ج 7 ص 132 . ( 7 ) البرهان في علوم القرآن ج 3 ص 445 ، وينظر التبيان في البيان ص 243 . ( 8 ) خزانة الأدب ص 239 . ( 9 ) معترك ج 1 ص 374 ، الاتقان ج 2 ص 83 ، شرح عقود الجمان ص 112 . ( 10 ) أنوار الربيع ج 5 ص 5 . ( 11 ) الزمر 67 .